قرار مجلس الوزراء بالموافقة على توسيع نطاق مبادرة التسهيلات التمويلية للقطاعات الصناعية ذات الأولوية لا يمكن اعتباره مجرد إجراء مالي جديد، بل هو رسالة واضحة بأن الصناعة ما زالت في صدارة أولويات الدولة.
إطلاق المرحلة الثانية من المبادرة، مع إضافة قطاعات وأنشطة صناعية جديدة، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن معركة الاقتصاد الحقيقية تُحسم داخل المصانع، لا في أسواق الاستيراد. تمويل شراء الآلات والمعدات وخطوط الإنتاج ليس رفاهية، بل هو حجر الأساس لرفع الجودة وزيادة القدرة التنافسية للمنتج المصري في الداخل والخارج.
رفع الحد الأقصى لتمويل العميل الواحد من 75 إلى 100 مليون جنيه، ومن 100 إلى 150 مليون جنيه في حالة الأطراف المرتبطة، خطوة مهمة تعالج أحد أبرز التحديات التي كانت تواجه التوسعات الصناعية، خاصة في القطاعات كثيفة رأس المال. لكن السؤال الأهم: هل ستكون الإجراءات المصرفية مرنة بالقدر الكافي لضمان سرعة الاستفادة؟
اللافت في المبادرة هو ربط انخفاض سعر الفائدة بارتفاع القيمة المضافة المحلية، وكذلك منح ميزة أكبر للصناعات المستحدثة التي لم يسبق إنتاجها محليًا ويصل حجم استيرادها إلى مستويات مرتفعة. هذه ليست مجرد حوافز تمويلية، بل محاولة ذكية لتوجيه الاستثمار نحو تعميق الصناعة وتقليل الفجوة الاستيرادية.
كما أن إدراج مؤشرات أداء واضحة لقياس نتائج المبادرة يمثل تحولًا مهمًا في فلسفة إدارة البرامج الحكومية. الحديث هنا لم يعد فقط عن ضخ أموال، بل عن قياس أثر حقيقي: زيادة الطاقة الإنتاجية، نمو الأصول، ارتفاع القيمة المضافة، خلق فرص عمل، وتراجع الفجوة المحلية.
الأولوية الممنوحة للمناطق الأكثر احتياجًا للتنمية – من جنوب الجيزة إلى محافظات القناة شرقها، مرورًا بالمحافظات الحدودية وصعيد مصر – تحمل بعدًا تنمويًا واجتماعيًا مهمًا، إذ إن توطين الصناعة في هذه المناطق يعني توزيعًا أكثر عدالة لثمار النمو.
لكن التحدي الحقيقي لن يكون في الإعلان، بل في التنفيذ. نجاح المرحلة الأولى – التي أطلقت بحد أقصى 30 مليار جنيه – يجب أن يكون معيارًا لتقييم المرحلة الثانية. هل وصلت التمويلات إلى مستحقيها؟ هل تحققت الزيادة المستهدفة في الإنتاج؟ هل تم إحلال واردات فعلية بصناعة محلية؟
الصناعة المصرية لا تحتاج فقط إلى تمويل ميسر، بل إلى منظومة متكاملة تشمل استقرارًا تشريعيًا، سرعة في تخصيص الأراضي، حل مشكلات الطاقة واللوجستيات، وربطًا حقيقيًا بسلاسل القيمة العالمية.
الرسالة الإيجابية واضحة: الحكومة تراهن على الصناعة كقاطرة للنمو. لكن الرهان الأكبر يظل على قدرة القطاع الخاص على استغلال هذه الفرصة، وعلى قدرة الجهاز التنفيذي والمصرفي على تحويل المبادرة من أرقام على الورق إلى خطوط إنتاج تعمل بكامل طاقتها.
التمويل قد يكون البداية… لكن التصنيع الحقيقي هو الهدف.
















