الاسم الحقيقي لصناعة الآلات والمعدات في الدول الصناعية المتقدمة هو “صناعة الصناعة“، بل إن بعض هذه الدول تمتلك اتحادات مستقلة وقوية لهذا القطاع إدراكًا منها أنه الركيزة الأساسية لأي نهضة إنتاجية.
فصناعة الآلات والمعدات ليست مجرد نشاط صناعي تقليدي، بل هي القاعدة التي تقوم عليها كل المصانع. فلا يوجد مصنع في العالم يعمل دون آلة أو معدة، سواء كانت صغيرة أو عملاقة. ومن هنا، فإن قوة هذا القطاع تعني بالضرورة قوة باقي القطاعات الإنتاجية، من الصناعات الغذائية إلى الهندسية مرورًا بالكيماوية والدوائية وغيرها.
اليوم، نعيش مفارقة تحتاج إلى وقفة جادة. فهناك شركات مصرية تصنع الآلات والمعدات بجودة عالية قادرة على المنافسة، بل وتُصدّر منتجاتها إلى دول كبرى مثل ألمانيا، إضافة إلى عدد من الدول العربية والأفريقية وبعض الأسواق الأوروبية. في المقابل، نستورد آلالات والمعدات من الخارج قد تكون مماثلة للصناعة المصرية ربما تكون اقل جودة من الصناعة المصرية . كيف نقبل أن نُصدّر منتجًات ونستورد نظيره في الوقت نفسه؟
تشجيع الصناعة المحلية هي الاسم الحقيقي لتعميق التصنيع المحلي في هذا القطاع لا يعني فقط دعم مستثمر أو مصنع، بل يعني حماية العملة الصعبة. ففاتورة استيراد الآلات والمعدات الهندسية والزراعية قفزت إلى 2.63 مليار دولار في عام 2021، ثم استقرت عند مستويات مرتفعة بلغت 2.58 مليار دولار في 2022 و2.49 مليار دولار في 2023. وبدلاً من تراجع هذا النزيف، ارتفعت الواردات إلى 2.72 مليار دولار في 2024، قبل أن تقفز إلى رقم صادم بلغ 3.68 مليار دولار في 2025. إن إنفاق ما يقرب من 3.7 مليار دولار في عام واحد على معدات يمكن تصنيع جزء كبير منها محليًا هو فرصة ضائعة لتعميق التصنيع المحلي.
إذا كنا نتحدث عن مبادرات تمويل بفائدة ميسرة – مثل تخصيص برامج بفائدة 15% لشراء المعدات – فمن الأولى أن يتم توجيه حوافز أكبر لمن يشتري معدات مصنّعة في مصر، بدلًا من استيرادها من الخارج. لماذا لا يحصل مشتري المعدة المحلية على فائدة أقل أو حافز إضافي؟ ولماذا لا نمنح المنتج الوطني أولوية حقيقية في السياسات الصناعية؟
المشكلة الأعمق تكمن في هيكل الرسوم الجمركية. فمصنّع الآلات والمعدات في مصر يدفع على مستلزمات الإنتاج جمارك تتراوح بين 25% و35%، في حين أن من يستورد آلة كاملة الصنع يدفع نحو 5% فقط. كيف يمكن للمصنع المحلي أن ينافس وهو يبدأ بالفعل بفارق تكلفة يصل إلى 25% أو أكثر؟
هناك مكونات أساسية لا تُنتج محليًا، مثل بعض أنواع الاستانلس ستيل، ومحركات الـStepper Motor، والحساسات (Load Cells)، وأنظمة التحكم الإلكتروني (PLC)، وغيرها. هذه مدخلات إنتاج لا غنى عنها. فإذا كان المصنع يحمل رخصة تشغيل وسجلًا صناعيًا يثبت أنه يصنّع آلالات ومعدات، فمن المنطقي أن تُعامل مستلزمات إنتاجه جمركيًا مثل الآلة الكاملة المستوردة، بل ربما بأفضلية، حتى يتمكن من المنافسة في السوق المحلي والتصدير.
نحن لا نطالب بحماية مطلقة، بل بعدالة في المعاملة. المطلوب هو إزالة التشوهات التي تضع المصنع المحلي في موقف أضعف من المستورد. كما نحتاج إلى سياسات واضحة لتطوير هذا القطاع، سواء عبر دعم تحديث خطوط الإنتاج، أو تسهيل استيراد المكونات غير المتوفرة محليًا، أو تحفيز البحث والتطوير لتوطين الصناعات المغذية.
إن تعميق صناعة الآلات والمعدات يعني خلق قيمة مضافة حقيقية، وتوفير فرص عمل، وتقليل الضغط على العملة الصعبة، وزيادة القدرة التصديرية. والأهم أنه يعزز استقلال القرار الصناعي للدولة.
لدينا الخبرات، ولدينا المصانع، ولدينا القدرة على المنافسة. ما نحتاجه هو سياسات أكثر اتساقًا تمنح “صناعة الصناعة” المكانة التي تستحقها. لأن دعم هذا القطاع ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية لمستقبل الصناعة المصرية.
















