في وقت يشهد فيه العالم زخمًا غير مسبوق نحو التحول إلى اقتصادٍ صديق للبيئة، يقف الصلب الأخضر (Green Steel) على قمة أولويات السياسات الصناعية والمناخية العالمية. ليس مجرد مفهوم بيئي، بل محاولة استراتيجية لإعادة تصميم أحد أقدم الصناعات في العالم – صناعة الصلب – لتكون أقل تلويثًا وأكثر استدامة، في ظل الأهداف العالمية للحد من الانبعاثات الكربونية وتحقيق تنمية نظيفة.
وعلى الرغم من قيادة أوروبا لهذا التحول الا ان دورها يشهد خطر التراجع فى مواجهة الزخم الصينى.
والصلب الأخضر ببساطة هو فولاذ يُنتج بطريقة تقلل أو تقضي على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بالمقارنة مع طرق الإنتاج التقليدية التي تعتمد على الفحم والوقود الأحفوري. في عملية الإنتاج التقليدية، يُستخدم الفحم في تحويل خام الحديد إلى صلب، ما يساهم بنحو 7٪ من الانبعاثات الصناعية العالمية. أما في تصنيع الصلب الأخضر، فيُستبدل الفحم بمواد بديلة مثل الهيدروجين الأخضر والطاقة الكهربائية المتجددة، مما يقلل كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة بشكل كبير جدًا، حتى تصل في بعض الطرق إلى مستويات قريبة من الصفر.
كما يُنظر إلى هذا التحول ليس فقط باعتباره خيارًا بيئيًا، بل كفرصة اقتصادية ضخمة تُقدر بمليارات الدولارات في السوق العالمي، خاصة مع ارتفاع الطلب على منتجات أكثر استدامة في البنية التحتية والنقل والطاقة.
فلقد أصبح الصلب الأخضر هدفًا عالميًا يتقاطع مع السياسات المناخية والاقتصادية للدول؛ فخفض الانبعاثات في الصناعات الثقيلة يُعد شرطًا لتحقيق الالتزامات الدولية بموجب اتفاقيات المناخ، مثل اتفاق باريس. ولتحويل صناعة الصلب إلى صناعة صديقة للبيئة، تعتمد الدول على منظومات من السياسات العامة المشجعة للاستثمارات النظيفة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري في الصناعات كثيفة الانبعاثات، مثل الصلب والأسمدة والكيميائيات.
ومن ثم فالتحول نحو الصلب الأخضر يُعد أيضًا عنصرًا محوريًا في الاقتصاد الأخضر؛ وهو نهج اقتصادي شامل يسعى إلى تحقيق تنمية مستدامة تقلل الأثر البيئي وتحقق كفاءة في الموارد وتخلق فرص عمل في صناعات المستقبل الواعدة.
يتطلب التحول الصناعي الأخضر منهجًا تشاركيًا بين الحكومات والقطاع الخاص لتحسين الإنتاجية والاستخدام الفعال للموارد، بما يحقق التوازن بين التنمية المستدامة وحماية البيئة.
فالصلب الأخضر ليس رفاهية… بل ضرورة للمستقبل فمع تزايد الضغط العالمي على الصناعات لتقليل بصمتها الكربونية، يقف الصلب الأخضر عند مفترق طرق بين الفرص والتحديات. فبينما تشهد البلدان المتقدمة استثمارات كبيرة في مشاريع الصلب الأخضر، تواجه الصناعة تحديات مرتبطة بتكلفة الطاقة والبنية التحتية للهيدروجين الأخضر، وهو ما يجعل السياسات الحكومية الداعمة وتحفيزات السوق جزءًا لا يتجزأ من نجاح هذا التحول.
في النهاية، لا يُعد الصلب الأخضر مجرد مشروع بيئي، بل رؤية صناعية واقتصادية جديدة تعيد تشكيل صناعة محورية في الاقتصاد العالمي، وتفتح آفاقًا واسعة نحو تحقيق اقتصاد مستدام يجمع بين النمو والرفاه البيئي في عصر يتطلب حلولًا مبتكرة لمواجهة أزمة المناخ.
د. جيهان حمدى احمد
دكتوراة فى الاقتصاد
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
















