في لحظات التحولات الكبرى، تُقاس قوة الدول بقدرتها على حماية ثوابتها، لا بكثرة تحركاتها. ومصر بتاريخها وموقعها وثقلها الإقليمي، أثبتت أنها الدولة التي تضع الخطوط الحمراء حين يتعلق الأمر بأمنها القومي أو بالحقوق العربية، وتدافع عنها بثبات ووضوح.
في ملف القضية الفلسطينية، جاء الموقف المصري حاسمًا برفض أي أطروحات تمس حق الشعب الفلسطيني في أرضه، وفي مقدمتها مقترحات تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم. خلال التعامل مع الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، كان الموقف المصري واضحًا: لا حلول على حساب الجغرافيا أو الهوية، ولا قبول بأي سيناريو ينتقص من ثوابت القضية أو يهدد الأمن القومي المصري.
أكدت القاهرة أن التهجير خط أحمر، وأن الحل العادل يقوم على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.
وفي العلاقة مع تركيا خلال فترة التوتر السياسي مع الرئيس رجب طيب أردوغان، تمسكت مصر بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة الدول. وضعت القاهرة حدودًا واضحة لأي تحركات من شأنها التأثير على استقرار المنطقة، مؤكدة أن أمنها القومي لا يقبل المساومة، وأنها قادرة على حماية مصالحها عبر أدوات سياسية ودبلوماسية وعسكرية متوازنة.
أما في ليبيا، فقد أعلنت مصر بوضوح أن خط “سرت – الجفرة” يمثل حدًا فاصلًا لا يمكن تجاوزه، في رسالة ردع استراتيجية هدفت إلى منع تمدد الفوضى إلى حدودها الغربية، لم يكن الإعلان تصعيدًا بقدر ما كان حماية استباقية لأمن المنطقة بأسرها، ورسالة بأن استقرار ليبيا جزء لا يتجزأ من استقرار مصر.
وفي شرق البحر المتوسط، تعاملت القاهرة مع ملف ترسيم الحدود البحرية وتحالفات الطاقة بمنطق القانون الدولي والاتفاقيات الشرعية، مؤكدة أن ثرواتها الطبيعية وحقوقها السيادية خطوط حمراء لا يمكن المساس بها. ومن خلال بناء شراكات إقليمية متوازنة، نجحت مصر في تثبيت معادلة تقوم على التعاون لا الصراع، وعلى حماية المصالح دون التفريط في الحقوق.
إن سياسة الخطوط الحمراء التي تنتهجها مصر ليست انعزالًا ولا تشددًا، بل هي تعبير عن دولة تدرك مسؤولياتها التاريخية والإقليمية، فمصر لا تسعى إلى المواجهة، لكنها لا تقبل فرض الأمر الواقع. تفتح أبوابها للحوار، لكنها تغلقها أمام أي مساس بسيادتها أو بثوابت الأمة.
وهكذا، تؤكد القاهرة مرة بعد أخرى أن قرارها الوطني مستقل، وأن أمنها القومي خط أحمر، وأن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية والعربية واجب لا يخضع للحسابات المؤقتة… فمصر، حين ترسم خطًا أحمر، تعرف جيدًا كيف تحميه.
خالد صالح
مدير بالبرامج الإخبارية بالتليفزيون المصري
















