لم تبدأ الصين رحلتها نحو صدارة الاقتصاد العالمي بمصانع عملاقة أو شركات متعددة الجنسيات، بل انطلقت من قاعدة بسيطة لكنها شديدة الفاعلية: المشروعات الصغيرة والمتوسطة. فمنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، ومع إطلاق سياسة «الإصلاح والانفتاح» عام 1978، أدركت القيادة الصينية أن التنمية الحقيقية تبدأ من القاعدة الإنتاجية المحلية، ومن تمكين الأفراد والأسر من العمل والإنتاج.
فظهر فى القرى الصينية ما عُرف بـ«مشروعات البلدات والقرى» التي اعتمدت على مبادرات فردية وأسرية في مجالات بسيطة مثل الصناعات الغذائية، والمنسوجات، والأدوات المعدنية الخفيفة. هذه المشروعات لم تكن ضخمة في حجمها، لكنها كانت واسعة الانتشار، وفرت ملايين فرص العمل، وخلقت حراكًا اقتصاديًا غير مسبوق داخل المجتمع الصيني…ليتجاوز عدد الشركات الصغيرة والمتوسطة في الصين اليوم ال٦٠ مليون شركة .
واعتمدت الدولة على توفير بيئة داعمة، تمثلت في تسهيلات تمويلية، وإعفاءات ضريبية، وتبسيط إجراءات التراخيص، إلى جانب الاستثمار المكثف في البنية التحتية من طرق وموانئ ومناطق صناعية. كما شجعت التصدير، وربطت المنتج الصغير بالأسواق العالمية، ليصبح جزءًا من سلاسل الإمداد الدولية.
ومع مرور الوقت، تطورت هذه المشروعات الصغيرة، واكتسبت خبرات فنية وتكنولوجية، وتحولت تدريجيًا إلى كيانات أكبر وأكثر تنظيمًا.
وكان الكثير من الشركات الصينية العملاقة اليوم في الأصل ورشًا أو مصانع محدودة الإمكانات، لكنها نمت بفضل سياسات صناعية واضحة، ورؤية طويلة الأجل تركز على الإنتاج والتصنيع والتكنولوجيا.
الأهم في التجربة الصينية أن المشروعات الصغيرة لم تكن هامشًا في الاقتصاد، بل كانت قاطرة النمو. فقد أسهمت بنسبة كبيرة في الناتج المحلي، ووفرت أغلب فرص العمل، وأصبحت منصة للابتكار وريادة الأعمال. هذا التدرج من «الصغير إلى الكبير» منح الاقتصاد الصيني مرونة وقدرة على التكيف مع التحولات العالمية
ولعل تجربة الصين يحتذى بها فى مصر ، حيث تعد المشروعات الصغيرة طاقة مصر الكامنة نحو اقتصاد أقوى، ففي قلب كل اقتصاد ناجح تقف المشروعات الصغيرة كقوة دافعة لا يستهان بها، ومصر ليست استثناءً من هذه القاعدة. فهذه المشروعات تمثل اليوم شريانًا حيويًا يغذي السوق المحلي بالحركة والإنتاج، ويمنح الشباب فرصة حقيقية لتحقيق أحلامهم بعيدًا عن انتظار الوظيفة التقليدية.
ولقد اصبحت المشروعات الصغيرة ركيزة أساسية في خطط الدولة للتنمية الاقتصادية. فهي تساهم بشكل مباشر في خفض معدلات البطالة، وتفتح الباب أمام أفكار مبتكرة تتحول إلى منتجات تنافس في السوقين المحلي والخارجي و تدعم تعميق التصنيع المحلي عبر توفير مكونات ومدخلات إنتاج للصناعات الكبرى، بما يقلل الاعتماد على الواردات ويعزز القيمة المضافة داخل الاقتصاد ، كما تمنح هذه المشروعات الاقتصاد المصري قدرًا أكبر من المرونة في مواجهة الأزمات، نظرًا لتنوع أنشطتها وسرعة تكيفها مع المتغيرات.
د. جيهان حمدى احمد
دكتوراة فى الاقتصاد
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
















