لم تعد عبارة «بدون مقدم – بدون فوائد – بدون مصاريف» مجرد جملة دعائية عابرة، بل تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى محرك أساسي لحركة البيع في الأسواق، بعدما تصدّرت عروض «التريبل زيرو» واجهات المعارض ومنصات التسوق، مدفوعة بالتوسع الكبير في نشاط التمويل الاستهلاكي.
هذه العروض أعادت الزخم لمبيعات الأجهزة المنزلية والإلكترونيات والأثاث، وساهمت في تحريك قطاعات عانت من تباطؤ نسبي، لكن خلف هذا النشاط المتصاعد يبرز تساؤل مهم: هل نحن أمام انتعاش شرائي صحي يعكس ثقة المستهلك… أم بداية لتراكم ديون هادئة لا يشعر بها الأفراد إلا بعد فوات الأوان؟
خلال سنوات قليلة، تحول التمويل الاستهلاكي من خدمة تكميلية يقدمها بعض التجار إلى ركيزة أساسية في قرار الشراء. فالموافقة السريعة، والإجراءات المبسطة، وانتشار مندوبي شركات التمويل داخل المعارض، جعلت الحصول على سلعة بالتقسيط أسهل من أي وقت مضى. وبدل أن يسأل المستهلك عن السعر الإجمالي، أصبح السؤال الأكثر شيوعًا هو: «القسط كام؟».
هذا التحول وسّع قاعدة العملاء القادرين على الشراء، ورفع حجم المبيعات، وقلل الاعتماد على السيولة الفورية، لكنه في الوقت نفسه غيّر طريقة التفكير المالي لدى شريحة واسعة من المستهلكين.
ورغم أن مصطلح «التريبل زيرو» يبدو وكأنه عرض بلا تكلفة، فإن الواقع في كثير من الحالات يكون أكثر تعقيدًا.
فبعض العروض تكون مقصورة على موديلات محددة، وأحيانًا تُدمج تكلفة التمويل داخل سعر السلعة، بينما تظهر الأعباء الحقيقية عند التأخير في السداد من خلال غرامات مرتفعة أو شروط جزائية لا يلتفت إليها كثيرون عند التوقيع.
لكن التأثير الأهم لهذه العروض لم يكن فقط في هيكل التكلفة، بل في تسريع قرار الشراء نفسه، حيث تقل مقاومة المستهلك عندما لا يُطلب منه دفع مقدم.
وبلغ حجم التمويل الاستهلاكي في مصر نحو 75 مليار جنيه خلال أول 10 أشهر من 2025، مقارنة بنحو 47.45 مليار جنيه خلال نفس فترة 2024، ما يعكس النمو السريع في إقبال الجمهور على التمويل عبر القسط بدفع مباشر أو عروض مثل التريبل زيرو
المفارقة اللافتة أن اللجوء لعروض «التريبل زيرو» لم يعد مقصورًا على من يفتقدون السيولة، بل امتد إلى شرائح من الطبقة المتوسطة وحتى الميسورة الحال، ممن يملكون ثمن السلعة نقدًا لكنهم يفضلون الاحتفاظ بأموالهم واستغلال فكرة «التمويل المجاني».
البعض يرى في ذلك إدارة ذكية للسيولة، خاصة في ظل تقلبات اقتصادية، فيما ينجذب آخرون نفسيًا لفكرة الحصول على السلعة فورًا دون استنزاف مبلغ كبير دفعة واحدة. إلا أن التقسيط، حتى مع توافر المال، يظل التزامًا طويل الأجل يقيّد جزءًا من الدخل المستقبلي ويقلل المرونة المالية إذا طرأت ظروف غير متوقعة.
المشكلة لا تبدأ عادة بقسط واحد، بل بتعدد الالتزامات الصغيرة التي تبدو محتملة كلٌ على حدة. هاتف جديد، ثم جهاز كهربائي، ثم قطعة أثاث في موسم عروض… ومع الوقت قد يجد المستهلك نفسه يخصص نسبة معتبرة من دخله الشهري للأقساط، معتمدًا على استقرار دخله دون هامش أمان حقيقي. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ«فخ الديون الناعم»؛ التزامات لا تبدو خطيرة في بدايتها، لكنها تتراكم بصمت وتتحول إلى ضغط مالي واضح عند أول أزمة طارئة.
من زاوية السوق، لا شك أن التمويل الاستهلاكي لعب دورًا مهمًا في دعم المبيعات وتنشيط الطلب، وساعد التجار على تحريك المخزون والحفاظ على وتيرة البيع. لكن هذا النشاط أصبح مرتبطًا بدرجة كبيرة باستمرار سهولة الائتمان، ما يعني أن جزءًا من الرواج الحالي يعتمد على القدرة على الاقتراض أكثر من اعتماده على نمو القوة الشرائية الحقيقية. وبينما يظل التمويل الاستهلاكي أداة اقتصادية مفيدة إذا استُخدم بوعي، فإن الفاصل بين الاستفادة منه والوقوع في أعبائه الدقيقة يظل رفيعًا للغاية.
في النهاية، كل عملية شراء بالتقسيط ليست مجرد سلعة جديدة تدخل المنزل، بل التزام مالي يمتد لأشهر أو سنوات. وبين إغراء «التريبل زيرو» وسهولة التوقيع على عقد التمويل، يبقى السؤال الأهم الذي يجب أن يسبق أي قرار: هل أشتري لأنني أحتاج فعلًا، أم لأن سهولة التقسيط جعلت القرار يبدو أخف مما هو عليه في الحقيقة؟
















