أعلنت وزارة الصناعة مؤخرًا عن حزمة حوافز جديدة لمستثمري الصاج المسحوب على البارد والمجلفن والملون، شملت أسعار أراضٍ تنافسية، تسهيلات في السداد، قروضًا ميسّرة، إصدار رخص التشغيل خلال 24 ساعة، وأولوية في توريد احتياجات المشروعات القومية.
وهي خطوة تعكس إدراكًا رسميًا لأهمية صناعة الصاج باعتبارها حجر أساس في سلاسل إنتاج حيوية مثل الأجهزة المنزلية، السيارات، المعدات الطبية، وقطاعات التعبئة والتغليف.
لا شك أن هذه الحوافز تمثل فرصة استثمارية حقيقية، خاصة في ظل توجه الدولة لتوطين الصناعات المغذية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بما يسهم في توفير العملة الصعبة ورفع القيمة المضافة المحلية.
كما أن توجيه الإنتاج المحلي لتلبية احتياجات المشروعات القومية يفتح سوقًا مضمونًا أمام المستثمرين، إذا ما تم تفعيل الآليات بصورة عادلة وشفافة.
غير أن التطورات الأخيرة على صعيد السياسات المنظمة للسوق كشفت عن معادلة أكثر تعقيدًا، تحتاج إلى إعادة ضبط دقيق بين تشجيع الاستثمار وحماية تنافسية الصناعة.
فقد عقد الفريق مهندس كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية وزير الصناعة والنقل، اجتماعًا موسعًا مع اتحاد الصناعات المصرية وغرفة الصناعات الهندسية، لبحث سبل تعميق التصنيع المحلي وزيادة المكون المحلي من الصاج ومستلزمات الإنتاج.
وأكد الوزير خلال اللقاء أن أي قرارات تتعلق بالصناعة لا تصدر إلا بعد مناقشتها داخل المجموعة الوزارية للتنمية الصناعية ومجلس الوزراء، وبما يراعي مصلحة الدولة والمصنعين والمستهلك، وليس مصنعًا بعينه.
الرسالة الأساسية للاجتماع كانت واضحة: لا صناعة قوية دون تكامل حقيقي بين حلقات الإنتاج، ولا قيمة مضافة دون مدخلات محلية مطابقة للمواصفات وبأسعار تنافسية. وهو منطق يتسق مع فلسفة تعميق التصنيع، لكنه في التطبيق يواجه تحديات واقعية لا يمكن تجاهلها.
أبرز هذه التحديات يتمثل في التدابير الوقائية المفروضة على واردات بعض أصناف الصاج، والتي أثارت مخاوف قطاع الصناعات الهندسية، باعتبار الصاج مدخلًا رئيسيًا في معظم أنشطته. فبينما تهدف هذه التدابير إلى حماية المنتج المحلي، يرى المصنعون أنها ترفع تكاليف الإنتاج وتضعف القدرة التنافسية، خاصة في التصدير.
وفي هذا السياق، تقدمت غرفة الصناعات الهندسية بمذكرة عاجلة طالبت فيها بإعادة النظر في رسوم الحماية، عبر تخفيضها بنسبة 50% وإلغاء الحد الأدنى المفروض، محذّرة من مفارقة خطيرة مفادها أن الرسوم على الخامات أصبحت في بعض الحالات أعلى من الرسوم على المكونات الجاهزة المستوردة، وهو ما يدفع بعض المصانع – عكس المستهدف – إلى تقليل التصنيع المحلي.
الأرقام هنا لا يمكن تجاهلها؛ فقطاع الصناعات الهندسية يضم أكثر من 12.5 ألف مصنع، باستثمارات تتجاوز 244 مليار جنيه، ويعمل به نحو 458 ألف عامل، وتبلغ صادراته نحو 5.72 مليار دولار. أي خلل في تكلفة مدخلات الإنتاج ينعكس مباشرة على الأسعار، التنافسية، وفرص التوسع في الأسواق الخارجية.
من زاوية تحليلية، يمكن القول إن حوافز وزارة الصناعة تمثل نصف المعادلة فقط. النصف الآخر يتمثل في ضمان توافر الخامات الأساسية بالسوق المحلي، وبأسعار تتماشى مع المستويات العالمية، مع التزام المنتجين المحليين بالمواصفات المطلوبة من الصناعات النهائية، وهو ما أشار إليه الوزير نفسه خلال الاجتماع.
نجاح تجربة الاستثمار في الصاج لن يتحقق فقط عبر منح الأراضي والتراخيص السريعة، بل عبر منظومة متكاملة تشمل:
سياسات حمائية مرنة تُراجع دوريًا وفقًا لواقع السوق.
آليات واضحة لتوازن المصالح بين منتجي الخامات ومصنعي المنتجات النهائية.
ربط برامج دعم التصدير بنسبة المكون المحلي الحقيقي، لا بفواتير الشراء فقط.
باختصار، نحن أمام فرصة حقيقية لتعميق صناعة استراتيجية، لكن اختبار النجاح الحقيقي سيكون في التفاصيل التنفيذية، وقدرة الدولة على المواءمة بين حماية الصناعة وتشجيع الاستثمار، دون أن تتحول الحوافز إلى عبء جديد أو تفقد التدابير الوقائية هدفها الأساسي.
فالصناعة لا تنمو بالقرارات وحدها، بل بتكامل السياسات واستدامة الرؤية.



