يولد كل موظف جديد مرتين: مرة عند قبوله في الوظيفة، ومرة عند بدء خطواته الأولى داخل المؤسسة. وفي الحقيقة، لا يبدأ النجاح من المكتب أو المهام اليومية، بل يبدأ من كيفية استقبال المؤسسة له وكيف تُهيئ له بيئة يشعر فيها بقيمته ودوره ومسار تطوره. وقد أثبتت التجارب أن الدقائق الأولى من يومه الأول قد تصنع فارقًا نفسيًا كبيرًا؛ فكم من موظف قرر الاستمرار في مؤسسته بعد أن لمس احترامًا ورعاية في أول أسبوع، وكم من آخر بدأ يبحث عن فرصة جديدة لأنه تُرك مجهولًا بلا توجيه.
وهنا تتجلّى أهمية تدريب الموظفين الجدد باعتباره الاستثمار الأذكى في رأس المال البشري، لأنه يحدد الانطباع الأول الذي يدوم طويلًا ويُشكّل أساس علاقة الموظف مع مؤسسته. ولعل من الأمثلة الواضحة أن إحدى الشركات الكبرى كانت تستقبل الموظف الجديد ببرنامج تعريفي كامل، وبطاقات تعارف، ومشرف يتابعه خطوة بخطوة، مما جعل نسبة الاستقالات في أول سنة لا تتجاوز 5٪. وفي المقابل، مؤسسة أخرى كانت تترك الموظف يجلس دون مهمة لساعات، فيرتبك، ويخجل من السؤال، ويبدأ رحلته بشعور من الضياع، فارتفعت نسبة الدوران الوظيفي إلى أكثر من 30٪ خلال ستة أشهر فقط.

إن فترة بداية الموظف الجديد هي المرحلة الأكثر حساسية، فالترحيب الإنساني والمهني يترك أثرًا بالغًا في شعوره بالانتماء. لكن الترحيب وحده لا يكفي؛ فهو يحتاج إلى خريطة واضحة يفهم من خلالها ثقافة المؤسسة، وقيمها، وآليات العمل، ومسارات الاتصال. فمثلاً، عندما يعرف الموظف منذ اليوم الأول إلى من يوجّه سؤاله، وكيف تُدار الاجتماعات، وكيف يتم اتخاذ القرار، فإنه يشعر بالأمان المهني. وفي إحدى التجارب الملهمة، تحكي موظفة أنها في أول يوم عمل كانت تشعر بالخوف الشديد، لكن مديرة القسم رافقتها جولة تعريفية داخل المؤسسة، وقدّمتها لزملائها، وشرحت لها طبيعة العمل خطوة بخطوة، فتبدّد القلق تمامًا وتحول اليوم الأول إلى نقطة بداية مليئة بالحماس والثقة.
ولم يعد التدريب اليوم مجرد تعليمات أو محاضرات، بل أصبح عملية تمكين تمنح الموظف القدرة على فهم المهام بعمق. الموظف يحتاج أن يفهم لماذا يقوم بالعمل وليس فقط كيف يقوم به، لأن فهم المعنى يخلق شغفًا داخليًا ويحوّل المهمة من واجب مفروض إلى مسؤولية يُتقنها. فعلى سبيل المثال، عندما يدرك موظف خدمة العملاء أنه ليس مجرد مجيب على استفسارات الناس، بل الواجهة التي تُبنى عليها صورة المؤسسة، فإن طريقة حديثه تتغير ونبرة صوته تتغير وحتى مستوى صبره يتغير. وفي مؤسسة أخرى، كانوا يشرحون للموظفين الجدد كيف أن جودة التقارير التي يكتبونها تؤثر على قرارات الإدارة، مما جعلهم يتعاملون مع الكتابة باحتراف أكبر لا باعتبارها مهمة روتينية.
وتحصد المؤسسات التي تهتم بتدريب الموظفين الجدد مكاسب كبيرة، منها انخفاض معدل الاستقالات وزيادة الإنتاجية منذ الأسابيع الأولى وارتفاع الولاء والانتماء. فمؤسسة قامت بتجربة بسيطة جدًا: خلال أول أسبوع، تطلب من كل موظف جديد حضور جلسة تعريف بالقيَم المؤسسية، ثم جلسة تطبيقية عن كيفية التعامل مع المواقف اليومية. وبعد ستة أشهر، لاحظت الإدارة أن مستوى الالتزام تحسن بنسبة 40٪ لأن الموظفين بدأوا يتصرفون وفق القيم لا وفق التعليمات فقط. أما المؤسسات التي تهمل هذه المرحلة فتدفع الثمن في شكل أخطاء متكررة، وشكاوى من العملاء، وصراع داخل الفرق، وتكلفة مضاعفة في التوظيف من جديد.
ويبقى التدريب في جوهره رسالة قبل أن يكون برنامجًا. الموظف الجديد يقرأ بين السطور، وعندما يجد من يستمع إليه، ويسأله عن احتياجاته، ويقدم له الدعم، يشعر فورًا بأنه ليس مجرد رقم وظيفي بل إنسان له قيمة. لذلك، عندما تقدّم المؤسسة برنامجًا تدريبيًا قويًا، فهي تقول له: “نحن نؤمن بك… ونستثمر فيك… ونعتمد عليك.” وقد روت إحدى المؤسسات قصة موظف جديد كان على وشك الاستقالة بعد أول أسبوع لأنه شعر بالارتباك، حتى جلس معه أحد القادة جلسة قصيرة فسّر له فيها كل ما يجهله، وأعطاه ثقة دفعته ليصبح بعد سنوات أحد أفضل الموظفين.
ويتوافق هذا التوجه تمامًا مع رؤية مصر 2030 التي تضع تنمية الإنسان المصري في قلب خططها، وتعتبر رفع كفاءة العاملين أساسًا للتحول الرقمي والإداري الذي تعيشه الدولة. وفي العديد من الجهات الحكومية، أصبح تدريب الموظف الجديد إلزاميًا قبل مباشرة مهامه، لأنه يضمن أن يقدم الخدمة للمواطن بصورة محترفة تتماشى مع التطور الكبير في الخدمات الرقمية مثل المرور والجوازات والتصاريح وغيرها. وهذا يعكس أن الاستثمار في تدريب الموظفين الجدد لم يعد مجرد خطوة إدارية، بل ضرورة وطنية ترتبط بجودة حياة المواطن نفسه.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة ثابتة: أن البداية الذكية هي سر النهاية العظيمة. كل موظف جديد هو فرصة نجاح تنتظر من يوجهها ويستثمر فيها. وكل مؤسسة تبدأ البداية الصحيحة بالتدريب السليم ستجني مستقبلًا أقوى واستقرارًا أكبر. فالنجاح لا يبدأ في منتصف الطريق، بل يبدأ من أول خطوة… من البداية الصحيحة التي تزرع الثقة وتطلق طاقة الإنجاز.
سلسلة مقالات: التدريب… البوابة إلى غد أفضل
سفيرة التدريب – د. أحلام محمد كمال
كاتبة وناشطة في تطوير راس المال البشري
















