عندما نسمع كلمة “القيادة”، يخطر ببالنا فوراً الصورة التقليدية للقائد الذي يقف في مقدمة الصفوف، يوجّه فريقه نحو الهدف المنشود. لكن القيادة ليست مجرد منصب أو لقب، بل هي مسؤولية، ومجموعة من المهارات والسلوكيات التي تشكل فارقاً في حياة الأفراد والمؤسسات والمجتمعات.
وفي مصر، حيث يتداخل التاريخ العريق مع متغيرات الحاضر، تبرز القيادة كأحد أهم عناصر بناء المؤسسات الناجحة.
ومع ازدياد مشاركة المرأة في سوق العمل، برزت تحديات خاصة تواجه السيدات في مواقع القيادة.
فما التحديات التي قد تواجهها المرأة المصرية فى موقعها كقائدة.
أنواع القيادة
القيادة ليست قالباً واحداً، بل لها أنماط وأساليب مختلفة، ولكل منها تأثيره على بيئة العمل فمثلا القيادة الأوتوقراطية (التسلطية) حيث يقوم هذا النمط على اتخاذ القائد لجميع القرارات بنفسه، مع الحد الأدنى من مشاركة الفريق. قد يكون فعالاً جدا في المواقف الحرجة التي تتطلب حسمًا سريعًا، لكنه قد يقتل الإبداع ويخلق شعوراً بالاستبعاد لدى العاملين.
و هناك القيادة الديمقراطية (التشاركية) حيث يشارك القائد أعضاء الفريق في اتخاذ القرار. يعطي هذا الأسلوب شعوراً بالمسؤولية المشتركة، ويحفّز الإبداع والابتكار. غير أنه قد يستهلك وقتاً أطول للوصول إلى قرار نهائي.
ثم القيادة التحويلية
حيث يركز القائد هنا على إلهام الفريق وتحفيزهم لتحقيق أهداف أعلى من المتوقع. القائد التحويلي يُنظر إليه كقدوة، يرفع معنويات الأفراد ويستثمر في تطوير مهاراتهم. هذا النمط يعد من أكثر الأساليب المناسبة لعصر التغيرات السريعة.
أما القيادة التبادلية (المعاملاتية) فهى تقوم على مبدأ “العطاء مقابل الأداء”: مكافآت مقابل إنجازات، وعقوبات مقابل تقصير. رغم أنها تحقق الانضباط والوضوح، إلا أنها قد تحد من الابتكار.
و هناك القيادة الخادمة و فيها يضع القائد احتياجات فريقه في المقدمة، ويسعى لتمكينهم وتوفير الدعم لهم. هذا الأسلوب يعزز الثقة والولاء لكنه يتطلب قائدًا يتحلى بقدر عالٍ من الصبر والتواضع.
في المؤسسات المصرية، يمكننا أن نلحظ خليطاً من هذه الأنماط، يتأثر بثقافة المجتمع، والهيكل الإداري، والتحديات الاقتصادية. ففي بعض المؤسسات الحكومية، لا يزال النمط الأوتوقراطي مسيطراً بسبب البيروقراطية والهيكل الهرمي.
أما في الشركات الناشئة، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا وريادة الأعمال، فنجد أن النمط التحويلي والديمقراطي أكثر انتشاراً، حيث يحتاج القادة إلى تشجيع الأفكار الجديدة والتكيف مع التغير المستمر. وفي المؤسسات العائلية، قد يختلط النمط التبادلي بالخدمي، حيث يكون ولاء الموظفين للأسرة المالكة للمؤسسة، لا للنظام الإداري وحده.
القيادة النسائية في مصر – فرص و تحديات
شهدت مصر خلال العقدين الأخيرين تزايداً ملحوظاً في حضور المرأة بمواقع صنع القرار، سواء في الحكومة أو القطاع الخاص أو حتى في المجتمع المدني. فقد تقلدت سيدات مناصب وزارية، ورئاسة مجالس إدارات، ومواقع تنفيذية في شركات كبرى. و رغم هذا التقدم، فإن الطريق أمام المرأة المصرية في القيادة لا يخلو من العقبات فما زالت بعض العقليات ترى أن القيادة مسؤولية “رجالية”، وأن المرأة “أقل قدرة” على اتخاذ القرارات الحاسمة و هناك أيضا غياب الدعم المؤسسي ففي بعض المؤسسات، لا تتوافر برامج تدريب وتمكين موجهة خصيصاً للنساء لتطوير مهارات القيادة. كما أن القادة الرجال غالباً ما يتمتعون بشبكات دعم أوسع تساعدهم في الترقّي، بينما تعاني السيدات من محدودية الوصول إلى مثل هذه الشبكات.
و لكن من جهة أخرى، هناك فرص تدفع بالمرأة نحو القيادة في مصر مثل الدعم الحكومي حيث أطلقت الدولة المصرية استراتيجيات لتمكين المرأة 2030، والتي تهدف إلى تعزيز مشاركتها الاقتصادية والسياسية. كما استطاعت العديد من السيدات اقتحام مجال ريادة الأعمال، و تأسيس شركات ناشئة منافسة بالاضافة الى تغير الثقافة العامة تدريجيا حيث أصبح الجيل الجديد من الشباب أكثر تقبلاً لفكرة المرأة القائدة .
و لكن .. لكي تتمكن المرأة المصرية من التغلب على التحديات القائمة، هناك عدة خطوات مهمة مثل التطوير المستمر للمهارات و بناء شبكات علاقات قوية سواء من خلال الجمعيات المهنية أو المنتديات النسائية أو حتى المنصات الرقمية. و تغيير الصورة النمطية عبر إثبات الكفاءة في مواقع القيادة، والتأثير الإيجابي في بيئة العمل و التحالف مع القيادات المستنيرة: فالشراكة بين الجنسين هي الطريق الحقيقي لتغيير الثقافة السائدة.
مستقبل القيادة النسائية في مصر
المشهد العام يشير إلى أن المرأة المصرية ستلعب دوراً متزايد الأهمية في مواقع القيادة بالمؤسسات. فمع التحولات الاقتصادية، والانفتاح على العالم، وتبني قيم المساواة، أصبح الطريق ممهداً أكثر من أي وقت مضى حيث أن تمكين المرأة القائدة هو رافعة أساسية لتنمية المجتمع والاقتصاد.
القيادة ليست وصفة جاهزة، بل مزيج من الرؤية، والقدرة على التأثير، والمرونة في مواجهة التحديات. وفي مصر، حيث تواجه المرأة عقبات مضاعفة، تظل قصص نجاحها شاهدة على قدرتها على كسر الحواجز وإعادة رسم صورة القائد.
إن الحديث عن أنماط القيادة ، هو حديث عن الحاضر والمستقبل معاً: حاضر يثبت أن النساء قادرات على تولي القيادة بكفاءة، ومستقبل ينتظر المزيد من الكوادر النسائية التي ستصنع الفارق في المؤسسات والمجتمع.
د.دينا ياقوت
أمين حقوق الانسان – حزب مستقبل وطن بالاسماعيلية
نائب رئيس اللجنة الاستشارية بالجمعية لأوروبية للتسويق و الادارة